محمد غازي عرابي

766

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

والحقيقة إن دور الضلالة هذا معنوي ومحدود ، فعلى صعيد الإيمان فالضلالة الطريق إلى الإيمان ، ولولا الضلالة ما فكر الإنسان في الإيمان ولا قدره حق قدره ولا جد في طلبه ، أما على صعيد الكفر فالضلالة ضرورية للفريق الضال لكي يتم فعل الجهاد ودوره كما سبق أن أسلفنا الكلام من قبل . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 9 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ( 9 ) [ العنكبوت : 9 ] سبق أن تحدثنا عن الصالحين ، وهم الموحدون القدامى الذين خلقوا موحدين وهم في عالم الذر ، والصلاح صلاح أمر الإنسان ، وهو تعرفه ربه واكتشافه وجود الهوية الإلهية المطلقة في هذه التعينات ، فنجا من ثم من الجزئية وعلاقة الأجزاء ببعضها بعضا والتناقض الواقع بين الأجزاء ، وأنهى مرحلة فض المعلومات ذات التطور والصيرورة فتحقق بهذا السّلام الذاتي الذي هو الغاية من خلق الإنسان . ولهؤلاء الصالحين البشرى في الحياة الدنيا وهي الرؤيا الصالحة فمنامهم خير من يقظتهم ، ويفتح لأحدهم وهو في فراشه أكثر مما يفتح له في يقظته وفي صلاته ، وهم على صلة دائمة بربهم ، فهم ورثة الوحي حيث صار الوارث نورا كله لا يعمل عملا ولا يأتي أمرا ولا يقول قولا إلا بإذن اللّه وتوفيقه وإلهامه ، فهؤلاء المسددون المحدثون الذين تنطق على ألسنتهم الملائكة كما عرف رسول اللّه المحدث من أمته ومنهم عمر رضي اللّه عنه . والصالحون أئمة الهدى ومصابيح الحق ، إن غاب أحدهم ظهر آخر فهم الأقطاب الذين يتوارثون علوم التوحيد كابرا عن كابر ، وكلهم آخذ من مشكاة النبوة عليهم رضوان اللّه أجمعين . قال فريد الدين العطار : حين ينصرف وجهك عن كلا العالمين سيكون مقامك عرش ذي القرنين ، وقال : إن تطهر قلبك من الصفات يأخذ نور الذات يشع من الحضرة . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 10 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ ( 10 ) [ العنكبوت : 10 ] لا ينبغي أن تخرج فتنة الناس المؤمن عن إيمانه حتى وإن أدت الفتنة إلى هلاكه ، وفي الأمر لطيفة ، فما دام الناس تعينات الأسماء والصفات فأفعالهم مدرجة في نطاق الدهر الذي قال فيه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لا تسبوا الدهر فإن اللّه هو الدهر ) ، فاللّه الذي رمى حين رمى رسول اللّه يرمي حين يرمي الناس جميعا ، فهم هو وهو هم من حيث حقيقة الاسم والصفة والفعل ، ولهذا كان